محمد بحر العلوم في مقابلة مع الوطن
كتبهاجريدة الوطن ، في 19 يونيو 2009 الساعة: 19:18 م
الشيخ الدكتور محمد بحر العلوم في مقابلة مع الوطن
* بريطانيا أعطت بعض الحرية للمسلمين لممارسة معتقداتهم وتقاليدهم .
* أهم مشكلة يواجهها المسلمون في الغرب هي تربية الأبناء
* بعض المدارس والمراكز الإسلامية تساهم في تربية الجيل المسلم.
يعتبر الشيخ الدكتور السيد محمد بحر العلوم واحدا من العلماء الذين اختاروا بلاد " المهجر" للاستقرار والعمل والحركة كما اعتبر واحد قادة الحركة الإسلامية البارزين في الوطن العربي.
يتحدث إليك بصراحة ووضوح دون أن يخفي حنينه إلى وطنه الأم العراق ، ومسقط رأسه في النجف الأشرف .
"الوطن" التقت به مؤخرا في الرباط على هامش مشاركته في ندوة نظمتها " الإيسيكو" وكان هذا الحوار.
*المسلمون في الغرب مهددون بطمس هويتهم الدينية والوطنية ، من منطلق تواجدكم في الغرب كيف تنظرون للقضية؟
بسم الله الرحمن الرحيم لا شك لأن هذا الموضوع دقيق ومهم فالمسلمون حينما ينتقلون من أوطانهم إلى ديار الغربة يحملون معهم تراثهم وتقاليدهم وعقيدتهم إلى المكان الجديد له تقاليد وأعراف تختلف عن تقاليدنا وأعرافنا فنحن أمام أمرين:إما أن نتخلى عن تراثنا وعقيدتنا (وهو أمر صعب) ونندمج مع الجو الجديد الذي نعيشه ،وإما أن نقف ونعمل على إدراج وإظهار مثلنا وقيمنا الإسلامية (وهذا لا ينسجم مع الوضع الذي نعيشه) فهذه قضية هامة ، ولكن في الحقيقة إنها تتفاوت في كثير من الدول ، بعض الدول تتسامح في هذا الموضوع لحد ما كما هو الحال في بريطانيا ، فبريطانيا أعطت بعض الحرية للمسلمين لممارسة عقائدهم وتقاليدهم وأعرافهم ، ولكن شريطة ألا تضر بالآخرين ولا تتعارض مع القواعد العامة للنظام البريطاني ومع هذا فهي مشكلة بعينها ، أهم ما في هذه المشكلة هي تربية أطفالنا وأولادنا .الحقيقة أنه لم تتهيأ الفرص الكافية لتأسيس مدارس إسلامية لاستيعاب هذا العدد الكبير من المهاجرين والمهجرين في بلاد الغربة بحيث يمكن أن نطمئن على كل القضايا التي تحيط بتربية أطفال المسلمين،من هنا تقع مشكلة .إن الطفل أو الصبي المراهق يندمج مع الحياة في المدارس ويرى أجواء الحرية والمغريات ويرى كثير من القضايا التي تساعده على الانطلاق في حين عندما يعود إلى البيت يرى مشكلة أخرى وهي أن يندمج في قضية العقيدة والتراث والتقاليد التي يعيشها الآباء (يقع إلى حد ما في مشكلة ) والآن أصبحت بعض المدارس الإسلامية والجامعات مثل الجامعة العالمية للعلوم الإسلامية وهناك مراكز إسلامية أيضا، تحاول في أيام العطل والمناسبات أن تشيد هذه القضية ولكن هي مشكلة ليست سهلة ونعاني منها.
على جانب آخر هناك ظاهرة لها صلة بالموضوع فمنذ حصول الدول الإسلامية على ما نسميه ب" الاستقلال" هذه الظاهرة تتجلى في العديد من العلماء والمفكرين غادروا بلدانهم في اتجاه الغرب بحثا عن حياة أفضل ، السؤال هو لماذا الهجرة بالذات وهل المثقف المسلم يجد في الغرب مالا يجده في بلده أو ماذا؟
السؤال دقيق..والواقع الذي يجب أن نمشي فيه إلى أبعد حدود الصراحة ، ليس من السهل على الإنسان أن يترك وطنه ويترك مسقط رأسه دون سبب ملح يضطره للقيام بهذا العمل والأسباب متعددة، فهناك القضية الاقتصادية، وهناك الناحية السياسية وهناك الناحية الثقافية، والحقيقة أن غالبية المفكرين (ويمكن هنا أن نصنف المسلمين حسب الدول) فالمسلمون الباكستانيون والهنود وبنغلاديش وغيرهم استوطنوا في بريطانيا للعمل خاصة، واندمجوا أما بالنسبة لغالبية المسلمين ممن العرب وغير العرب جاءوا نتيجة الظروف الشاذة التي يعيشونها من طرف الحكام في أوطانهم وعندما يضطر إلى ترك الوطن، يلحظ هذا المهاجر إلى أي مكان يمكن أن يتحرك فيه بدون ملاحقة للسلطة التي تلاحقه ، نحن ينطبق علينا الوصف الثاني كمعارضة لاحظنا انه في أوروبا وبالذات بريطانيا أسهل لنا للتحرك من أي دولة أخرى بحيث على سبيل المثال أنا في بريطانيا منذ قرابة عشرين عاما ما لاحظت في يوم من الأيام يسألني البوليس أين الهوية وأين تذهب وأين تأتي و ماذا تريد أن تعمل، وأنا أمارس معتقداتي أمارس اجتماعاتي وأمارس الجانب السياسي، كل هذا لا مانع فيه بشرط ألا تخل بالنظام العام، ومن هذه الجهة نرى أن اضطرار الإنسان إلى الهجرة بحثا عن مكان يمكن أن يتحرك فيه ويعيش فيه بأمان لاحظنا أن أوربا هي أحسن الأماكن التي يمكن للمرء أن يقيم فيها.
*سماحة الشيخ .سؤالي هذا ربما يكون محرجا لكم،نترك أوطاننا هروبا من المضايقات والاعتقالات ونذهب إلى ديار الغربة ، ما الهدف ،أيعد ذلك هروبا من مواجهة الواقع وبحثا عن الراحة أم ماذا؟ فلمن نترك أوطاننا إذا هاجرناها؟
إن الذين يهاجرون أو يهجرون من أوطانهم ؟أو يذهبون بصورة طبيعية هؤلاء5 في المائة و95 في المائة ملاحقون من طرف السلطات التي تحكم بالنار والحديد أوطانهم،ولهذا يضطرون وأنا سأكون صريحا معك إن هناك حوالي (4) أربعة ملايين عراقي تركوا العراق بسبب ملاحقة السلطة لهم فهم أمام أمرين إما أن يصفون جسديا داخل السجون أو القتل الخ.. أو أنهم يهربون من الدمار والهلاك الذي سيتعرضون له هم وعائلاتهم فيذهبون إلى الخارج،هذه الجوانب التي تدعو الإنسان أن يغادر، ليس هناك إنسان يترك وطنه لغاية الراحة كما أشرت لاشك أن هناك عوامل سياسية أو اقتصادية وهي الأقل أو الاجتماعية والحقيقة أن الجانب السياسي طغى على الجانبين الآخرين تقريبا 90في المائة
ويلاحظ في نفس السياق أن الطبقة المثقفة والمسيسة التي ينسحب عليها كلامكم السابق غير منسجة فيما بينها- داخل أرض المهجر –إلى ماذا تعزون ذلك؟
لا بالعكس..لاشك أن التعاون حاصل وتلاحظ أن المسلمين هم الذين يؤلفون عدد كبير من دول متعددة ولهجات متعددة وأعراف متعددة ،فليس هناك مبرر كي لايلتقي العربي مع العربي ،لكن من الصعب أن يلتقي العربي، بالهندي أو الافريقي تحكمه اللهجة وتحكمه اللغة وتحكمه الأفكار الخ..ففي غير هذه الحالات نرى من التلاقي والمودة والتحابب بين المسلمين فيما بينهم فعلى سبيل المثال نحن كعراقيين اللقاءات مستمرة فيما بيننا و الاتصالات دائمة والمناسبات كثيرة حيث نلتقي في الصلاة ونلتقي في الأعياد يلتقي كمسلمين ما أمكن انسجامه واندماجه مع الآخر باللغة واللهجة والأعراف.
قصدي من السؤال المنظمات الإسلامية التي لايوجد بينها تنسيق في مجالات متعددة؟
نعم حتى الحركات الإسلامية يوجد فيما بينها التعاون والحمد لله.
في الآونة الأخيرة لاحظنا أن العديد من المؤتمرات والندوات تعقد هنا وتنظم هناك تركز بالخصوص على موضوع التقريب بين المذاهب الإسلامية كيف تقيمون حصيلة التقارب بين المسلمين عكس ما كان حاصلا في السابق؟
الحقيقة أن الأخوة الإسلامية هي الحاكمة بين المسلمين ولابد من العمل عليها .فالوحدة الاسلامية أساسية وأنا لا أعتقد أن هناك فروق أساسية بين المذاهب الإسلامية إذ كلها تنتهي إلى الفقه الإسلامي مثلا: لم نرى هناك خلاف بين المسلمين في الصلاة وسائر الشعائر الدينية الأخرى وأسس الاختلاف إذا كان هناك شيء فإنما في الفروع البسيطة التي لا تمس العقيدة .ما يحدث في هذا الجو هو نتيجة الجانب السياسي، في هذا الحال نعمل على تذويب هذه القضايا لأن نظهر أمام الجانب الآخر وهو قد لا يرى لنا الخير ولا يرغب لكن، مكره أخاك لا بطل ، نحن لابد أن نتفق ونتحد ونتعاون على إظهار كلمتنا الواحدة وصنفنا الواحد.
*في بداية هذا العقد كانت قد انتشرت العديد من الكتب والمطبوعات ألفها (مسلمون طبعا) لكنها كانت توجه بالأساس للطعن في عقيدة أهل البيت، (الشيعة الجعفرية تحديدا) بينما كانت مطبوعات أهل هذا المذهب مختفية من الأسواق .كيف تعقبون على ذلك؟
-لا شك أن هذا الموضوع تهيأت له عوامل إبراز النتاج الفكري ، وأصبحت الظروف مهيأة من ناحية الطبع والإمكانيات وبدأت هذه القضايا تظهر بصورة واضحة وهناك حقيقة يجب ألا نغفل عنها نحن في العراق وفي النجف خاصة ( وأنا إبن النجف) نحن نستقبل إخواننا المسلمين من كل الأطراف وهناك حوزة علمية دينية عمرها ألف عام من الناحية الدينية هي أشبه بالفاتيكان ، وطبعا الظروف السياسية تتأثر بهذه القضايا نحن في الحقيقة نعطي الكتب في المذهب الامامي و نهيء لهم (للطلبة)الأسباب مع كل الأساتذة وعلى سبيل المثال لو كنا الآن في مكتبتي الخاصة في النجف لرأيت أن ثلاثة أرباع في مكتبتي هي إسلامية متنوعة في الفقه ،لكن مع كل الأسف الأخوة في غير المذهب الإمامي قليلو التتبع في هذا الجانب، وهذا لم يكن السبب فيه نحن.أنا أيضا على سبيل المثال أعرف عن المغرب الشيء الكثير في تاريخه لأنني متتبع لذلك في الهجرة لكن لو تسأل واحد مغربي تقول له النجف فين؟ يقول لك: هي في بنما أو استراليا هذا خطأ، لأن المعرفة قليلة أو الاستعداد للمعرفة قليل، وأنا ككاتب تقريبا منذ50 عاما أكتب ومطلع وأقرأ الكتب لو تأتي إلى جانب آخر من مشايخنا ..مشايخ الآخرين وتقول له أرجوك أعطني رأيك في المذهب الفلاني يقول لك أنا آسف.هناك أشياء أساسية ونحن يجب أن نلتفت فنحن في نهاية القرن العشرين يجب أن نقرأ ونتتبع حتى لمن ليس معنا حتى نستطيع أن نرد أو نصحح الأخطاء لا شك أن هذا الزمن الطويل يكون بطبيعة الحال خطأ، ارتباك الخ.. والهدف الأساسي هو الإسلام ،فالعالم كله متكالب ضد الإسلام .فيجب علينا نحن المسلمين أن نتعاون في هذه الجهة سواء كنا شيعة أو سنة، شافعيين أو مالكيين حنابلة زيديين أو جعفريين الخ.. هنا بعض الإخوة سألناهم هل تقرأون كتب فقهية من المذاهب الأخرى فلا تجد الجواب بنعم ،أنا مستعد أقرأ لك حوالي 150كتاب فقهي للمذاهب الأخرى غير مذهبي أنا، هذه نظرة ضيقة نتيجة عدم الاستعداد للاطلاع على هذه الجوانب ، مثلا كنت أتكلم هنا مع بعض الإخوة عن تاريخ المغرب ما قبل العهد الفاطمي وأسأل عن سجلماسة فين، ومراكش فين، فأنا قرأت عن هذه الأماكن في التاريخ لكن لما تسأل أحدهم عن البصرة فين يقول لك إنها في الخليج أو في إيران ..هذا خطأ كبير ، يجب أن تهتم وزارات الثقافة والإرشاد الإسلامية (وخاصة العربية فيما بينها) وأن تهيء هذه الظروف للإنسان المسلم العربي وغير العربي حتى يتم الاندماج.
لكم كلمة أخيرة توجهونها لإخوانكم في المغرب ؟
نحن مع المغرب وقلوبنا معكم وسبق في زيارة المرحوم محمد الخامس إلى العراق في الخمسينيات أن أصدرت كتاب ديوان شعر في جهاد المغرب العربي لشعرائنا تكريما لزيارة المرحوم الملك محمد الخامس وقد تناولنا قضايا المغرب الوطنية والاجتماعية .خاصة أن المغرب معروفة علوية وإذا كنا نحن المسلمين تجمعنا أواشج العقيدة والدين لكننا يجب أن نقر بأن الأخ ليس هو ابن العم وابن العم ليس هو ابن الجيران وهكذا..
فنتمنى للمغرب كل الخير ولجلالة الملك ومسئوليه والشعب كله الخير في الخير ونتمنى على الشعب المغربي أن ينفتح أكثر على إخوانه العرب والمسلمين وشكرا لكم على هذه الفرصة.
الوطن
العدد 22 السنة الثالثة
ديسمبر 1997.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























